مسجد صعصعة بن صوحان العبدي رضي الله تعالى عنه

2011-07-20

سيّدٌ من سادات العرب , و من أكابر المؤمنين , و ممن أثنى عليه أمير المؤمنين فمدحـــــــه بوصف : قلة المؤونة , و كثرة المعونة , , روى عن أمير المؤمنين علي , و عن ابن عباس(رض) , كما روى عن أبي إسحق السبيعي ، و المنهال بن عمرو ، و عبد الله بن بريدة و غيرهم , وكان ثقة ابن سعد و النسائي وغيرهم. عرف صعصعة(رض) خطيبا مفوها لسنا ,تقيا , فاضلا, بليغا في الذود عن الحقّ والعدالة والفضيلة , مصداقا لقول أبن عباس(رض) له : (( أنك لسليل أقوام كرام خطباء فصحاء, ما ورثت هذا عن كلالة …)) . وكان ابن عباس (رض)حبر الأمة إذا ما أراد أن يستمع إلى البلاغة و الحكم و سداد الرأي وما عفا من أخبار العرب, يجالس صعصعة(رض) و يسائله و يرتوي من فيض نبعه ، كما أختاره وفد المصريين لرئاسة جماعة منهم عند دخولهم على عثمان لطلب الإصلاح. و شهد له الكثير من محبيه و أعدائه بالفضائل , فقد وصفه أمير البلاغة الإمام علي بـ (الخطيب الشحشح ), و امتدحه عقيل بن أبي طالب بقوله : (( صعصعة عظيم الشأن قليل النظير)) , و خاطبه عمر بن الخطاب قائلا : (( أنت مني و أنا منك )) , و ذكره معاوية فقال : (( وددت و الله أني من صلبه )) و (( هكذا فلتكن الرجال )) , و حدث عنه عبد الملك بن مروان فقال : (( انه أحضر الناس جوابا )). و قد كان من اشد أصحاب أمير المؤمنين ولاء , فقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : (( وما كان مع أمير المؤمنين عليه السلام من يعرف حقه إلا صعصعة و أصحابه )) وصف صعصعة(رض)الإمام علي عليه السلام مرة فقال : (( كان فينا كأحدنا ، لين الجانب ، و شدة تواضع ، و سهولة قياد ، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف فوق رأسه )) و وقف (رض) يوم بيعة الإمام علي عليه السلام يخاطبه : (( يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك و رفعتها وما رفعتك ، وهي إليك أحوج منك إليها )). شهد (رض) مع الإمام علي عليه السلام مواقعه كلها هو و أخواه ( زيد و سيحان) (رض)، و جرح في معركة ( الجمل ), و استشهد أخواه(رض). أستأذن صعصعة (رض) على علي عليه السلام وقد أتاه عائدا لما ضربه أبن ملجم ، فلم يكن عليه إذن ، فقال صعصعة (رض) للآذن : (( قل له يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيا و ميتا ، فقد كان الله في صدرك عظيما ، و لقد كنت بذات الله عليما . )) فأبلغه الآذن ذلك فقال الأمير عليه السلام: (( و أنت يرحمك الله فقد كنت خفيف المؤونة ، كثير المعونة )) سار(رض) في تشـــــــــــــييع جثمان الأمير عليه السلام, ( و وقف على قبره و أخذ كفا من التراب فأهاله على رأسه و قال : (( بأبي أنت و أمي يا أمير المؤمنين , هنيئا لك يا أبا الحسن , فلقد طاب مولدك , و قوي صبرك , و عظم جهادك , و بلغت ما أمّلت , و ربحت تجارتك , و مضيت إلى ربك .. )) , و نطق بكثير من مثلها , و بكى بكاءا شديدا , و أبكى كل من كان معه , و بذلك فقد انعقد في جوف الليل مأتم يخطب فيه صعصعة (رض), ويحضره الإمامان الحسنان (عليهما السلام), و محمد بن الحنفية , و أبو الفضل العباس , و غيرهم من أبنائه , و أقاربه سلام الله عليهم. و لما انتهى صعصعة(رض) من خطبته , عدل الحاضرون إلى الإمامين الحسن و الحسين (عليهما السلام)و غيرهما من أبنائه , فعزوهم في أبيهم , فعادوا طرّا إلى الكوفة )(1) ، و لصعصعة(رض) شعر جميل يرثي به الإمام علي عليه السلام فيقول

                                   ((هل خبر القبر سائليه أم قرّ عينا بزائريـــــــه                                                                                  أم هل تراه أحاط علما بالجسد المســتكين فيه                                    لو علم القبر من يواري تاه على كل من يليـــه                                                                                       يا موت ماذا أردت مني حققت ما كنت أتقيـــه                                    يا موت لو تقبل افتداء لكنت بالروح افتديـه                                                                                        دهر رماني بفقد ألفي أذم دهري واشتكيــه))

عاش صعصعة(رض) فترة عظيمة من فترات التاريخ الإسلامي , و عاصر أناسا عظاما نقشوا في ذاكرة التاريخ خطوطا عريضة زاهية لا تمحى ، فقد عايش جزءا من حياة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم و تربى في ظل دولته الكريمة, و عاصر حياة الخلفاء و عايش الأحداث المهمة , المؤلمة منها و المفرحة , عايش السقيفة , و الردة , والانقلاب على الأعقاب , و الفتوحات الإسلامية, و انحدار المسلمين التدريجي من المجد الإيماني إلى بناء المجد الشخصي ليرى نفسه وجها لوجه يصطدم مع سلاطين الإسلام الذين حولوا الخلافة إلى ملك وراثي ، وليروه أمامهم عقبة تجرعهم الغصة تلو الأخرى , غزاهم في عقر دارهم , وفي مقر حكمهم بأشد الكلام و أقساه , فكان شوكة في جنوب الباغين وقذى في عيون الظالمين ؛ فجعلوا يبيتون له الغدر , و يتحينون له الفرص , حتى صمم معاوية على النيل منه و قال : ( و الله لأجفينك عن الوساد ، و أشردن بك في البلاد ) ، فأمر واليه على الكوفة ( المغيرة بن شعبة ) بإبعاده عنها باعتبارها معقلا لتحركه الجماهيري المعارض ، و نفيه إلى جزيرة ( أوال ) ، و هي جزيرة البحرين الحالية ،معلنا بداية رحلة بلاء جديدة زاده فيها التقوى و سلاحه الإيمان ، و شعاره الإسلام ، وهدفه الإصلاح ، أنيسه الحق و رفيقه الصبر و طالت الرحلة وما زادت هذا المؤمن الحقيقي إلا صلابة وإباء ، واستعدادا للفداء , و الجسد معذب ، و النفس مستبشرة ، البدن متعب ، والروح مطمئنة ، إلى أن خلاصة الجهاد الشهادة وعاد السيف إلى قرابه ، فان ( أوال ) كانت موطن أسلافه ؛ فلا غرور أن وطد فيها دعائم الولاء لآل البيت عليهم السلام حتى استوى على سوقه ، وآتى أكله يانعا بإذن ربه و بقي هناك حتّى وفاته , وقد توفي (رض)في جزيرة أوال بعد نفيه إليها سنة 60 هجرية, وله من العمر سبعون سنة ودفن في قرية ( عسكر ) الواقعة جنوب جزيرة المنامة العاصمة في البحرين ، و يقع بها ضريح صعصعة(رض) و مسجده المسمى باسمه على ساحل البحر, و كانت تعلوه قبة ثم تهدمت ولم يعد بناؤها من جديد ، وبناء المسجد عامة قديم و هو مزار مشهور لدى عامة الناس و يؤمه الزائرون من كل مكان في البحرين باختلاف طوائفهم في العطل وفي المناسبات

المصدر : (1) الشيخ القمي – مفاتيح الجنان – ص 409